السبت، 6 نوفمبر 2010

الدولاب




فتح عينيه في تثاقل شديد ومد بصره في كل أنحاء الغرفة بدأ من السقف الذي غطت خيوط العنكبوت الرمادية بقايا الجير فيه ، ووصولا إلى الدولاب القديم ، كاد أن يبتسم وهو ينظر إليه، أحس أنه انتصاره الوحيد الذي قد يخلفه إن مات ، فبهذا الدولاب يستطيع أن يروي حكايته حيث يعود غاضبا ويقذف ببابه حتى ترتعد جنبات الغرفة الشبه فارغة أو حيث يقف أمامه لساعات طوال يريد أن يختار بين بذلتيه اليتيمتين إن كان على موعد ما، وغالبا ما يكون مع احد مديري الشركات ممن تعود الاستقبال الحار والابتسامة العريضة وكلمة اعتذار على طلب الوظيفة الذي تقدم به.
ولدولابه حكاية ، كان حين رآه لأول مرة أمام بيت أحد المستعمرين، كان شيئا جميلا، اقترب منه، أغراه منظره، تقرب منه السمسار ..
- إنه من النوع الجيد ، صاحب البيت أجنبي ويريد العودة إلى وطنه، لو لم تكن الطريق بعيدة لحمله معه، أنت تعرف أغلب المستعمرين يعودون إلى بلدهم الآن
و..
لم يكمل حديثه، أسكته بحركة الواعي المقدر للظرف، وسأل.
- كم يريد ثمنا له ؟
طرح السؤال وكان قد أجاب نفسه عليه أنا سأشتريه ...لن أمنح هذا المستعمر فرصة أخد هذا الدولاب كهذا معه، قد يحمله فوق سيارته، فهو صغير الحجم، لن يكلفه الكثير ، أحس أن مصيره قد ارتبط بهذا الدولاب  ، إنها مسألة كرامة، يكفي هذا المستعمر ما نهب من خيرات البلاد، لن أسمح له بحمله معه  فهو مصنوع من خشب بلادي وبمهارة ابن الحرفة، إنها كرامتي، طريقتي في الحرب .
باع أشياء كثيرة يومها ودق أبواب أكثر  ليعود به آخر الليل  يحمله على ظهره، كان انتصارا، وضعه بقوة، تكسرت إحدى أرجله، سقط، فقد توازنه وسقط هو الآخر... كاد أن يضحك لولا الألم، يذكر يومها أنه رقد لمدة شهر، وقدمه بالجبس، ألم أقل لك أن حكايتنا واحدة، قالها وهو يصلح الرجل المكسورة ..
مضت سنوات بعد ذلك وأزمات اضطر إلى بيع أشياء كثيرة، إلا هذا الدولاب ..
- لا أحد يبيع نفسه .. قالها وتنهد وعاد إلى غفوته ...

التعليقات : 8

وكما عادتك هناك أشياء خفية بين السطور، القصة تحمل فكرة معينة قد تتمحور حول المحافظة على المنتوج الوطني، وهو عند البطل كنوع من تحقيق انتصار ولو أنه وقع في أزمة مالية وضيق لا يهم المهم أنه لم يسمح بشيء ملك لوطنه أن يأخذه الأجنبي.
أعجني أسلوب القصة ومغزاها كذلك.
شكرا لكِ

السلام عليكم أختي حلم

أسلوبك القصصي أكثر من رائع ... أعجبتني لغتك المتمكنة في الوصف وأعجبني كثيرا تسلسل سرد الاحداث للوصول إلى الفكرة التي كانت مختبئة وراء ذلك الدولاب .

أعتقد أن أمثال هذا الشخص قليلون في أيامنا هذه ولكن نسأل الله تعالى أن يكون المستقبل مشرقا بأشخاص يؤثرون محبة أوطانهم ومصلحة أبناء شعبهم على مصالحهم الشخصية .

كل الود

أخي ا[و حسام الدين
تعجبني قراءة لما تحت السطور ، فعلا الدولاب ليس الا رمز لخيرات الوطن التي إن لم تكن لنا القدرة على استرجاعها نشتريها مع أنها حق لنا ونخلق من الأمر انتصارا يرضي غرورنا
بارك الله فيك أخي الطيب

السلام عليكم
أخي أشرف
يسعدني فعلا أنك قد وجدت في مدونتي ما قد يرضي غرورك وإعجابك أخي
سعدت بتواجدك أيها الطيب

الفكره ومن شدة بساتطها تبدو للوهلة الاولى وكانها سطحيه وهى ليست كذلك بطبع
لا ابالغ اذا قلت انها شبيها بقصص تشيكوفسكى
البساطه هى السهل الممتنع
الدولاب رمز يحمل اكثر من معنى بل ولا ابالغ ايضا ازا قلت انه الوطن الذى لايشعر بقيمته ويقدرونه حق قدره الا البسطاءامثال ذلك البطل
اخيرااذكرك بموضوع الغه فهى هنا اشبه بلغه المقال وليست لغه ادب ولكن لا الومك لان هذه المشكله منتشره عند شباب الكتاب فقط هى تعالج بالقراءالكثيره والمستمره

السلام عليكم ورحمة الله
أخي عباس بن فرناس
افرحني تواجدك هنا فالدولاب هو تاريخ امة مغتصب ، حق ضائع لم نستطع استرجاعه فقررنا شراءه
قد تكون اللغة تقريرية مقالية فأحيانا لا نحتاج للأدب ما دمنا نرصد حقيقتنا بعين ناقلة فقط

إرسال تعليق

الشاعرة ليلى مهيدرة بالبصرة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

مشاركون

صفحة المدونة على الفايسبوك

أحلام متناثرة

Blogger
جميع الحقوق محفوظة © 2011 موقع ليلى مهيدرة | المدونة تعمل تحت منصة: Blogger
Join me on Facebook Follow me on Twitter Subscribe to RSS Email me